الأربعاء 09/ محرم/ 1448 - 24/06/2026 : undefined
تحليل : عبد الباري عبدالرزاق - ذمار نت - مقالات
إذا أردنا فهم من أجبر من على توقيع الاتفاق بين طهران وواشنطن؟. فعلينا قراءة مسار ما جرى منذ بداية العدوان العسكري على إيران وحتى توقيع الاتفاق على النحو التالي :
توقيع إيران على الاتفاق الأخير مع الإدارة الأمريكية دون تقديم تنازلات جوهرية في ملفاتها الاستراتيجية يُعد انتصارا بالنقاط لطهران، وفشلاً للعدوان الأمريكي الإسرائيلي وسياسة التهديد والهيمنة.
خرجت إيران من الحرب باتفاق يتضمن حزمة مالية ضخمة، منها 24 مليار دولار مقدما، وتأسيس صندوق لإعادة الإعمار بقيمة تصل إلى 300 مليار دولار، إضافة إلى رفع العقوبات عن بعض القطاعات الاقتصادية ومنح إعفاءات نفطية، مع الاحتفاظ الكامل بسيادتها واستقلال قرارها ووحدة وسلامة أراضيها، فضلاً عن إشرافها على مضيق هرمز، وترحيل ملف البرنامج النووي إلى مفاوضات لاحقة، مع بقاء التسلح الصاروخي والنفوذ حقاً سيادياً خارج أي مفاوضات حالية أو قادمة.
تحاول إدارة ترامب تسويق الاتفاق على أنه صفقة سلام تاريخية لصالحها، إلا أن الواقع يشير إلى تراجع ترامب من محاولة كسر وإخضاع إيران بالقوة القهرية والعمل العسكري، إلى احتواء الخصم والتخلي عن شعار الاستسلام غير المشروط الذي رفعه في بداية العدوان.
بالعودة إلى العدوان العسكري، نلاحظ أن إيران أدارت الحرب وفق استراتيجية الرد المتناظر وتوسيع رقعة المواجهة، فرغم فقدان طهران للقيادة العليا، إلا أنها لم تظهر مرتبكة، إذ استهدف الرد الإيراني بالطيران المسير والصواريخ المواقع العسكرية والحيوية في عمق كيان الاحتلال والقواعد الأمريكية في الخليج ،ولم يتوقف الرد الصاروخي الإيراني حتى آخر يوم من العدوان، وهذا الصمود العسكري بعث برسالة واضحة للبيت الأبيض مفادها "إيران ليست نزهة عسكرية، ونحن مستعدون للذهاب بالمواجهة إلى أبعد مدى".
لم تكتفي إيران بالرد العسكري، بل أغلقت مضيق هرمز أمام سفن الشحن التابعة للولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما، وهو ما أحدث شللاً في حركة التجارة الأمريكية، ورفع أسعار النفط والطاقة في الأسواق العالمية،وفي الوقت الذي يضع فيه ترامب المؤشرات الاقتصادية والأسواق الأمريكية كأولوية قصوى، جعل إغلاق المضيق كلفة استمرار الحرب أمريكياً أعلى بكثير من كلفة التراجع والتفاوض.
نجحت طهران أيضاً في تحويل دول الخليج من أداة بيد الأمريكي إلى وسيلة ضغط سياسي بيدها، وذلك من خلال توجيه ضربات دقيقة ومدمرة للقواعد الأمريكية في الخليج، وإيصال رسالة لهذه الدول بأن أمريكا بجلبها هذه القواعد تأتي لكم بالدمار لا الحماية، وأنه في حال استهدف العدو منشآت الطاقة والمصالح الاقتصادية الإيرانية، فإننا سندمر كل منشآت الطاقة والمصالح الاقتصادية المرتبطة بالاقتصاد الأمريكي في المنطقة. بناءً على ذلك، لم يكن أمام دول الخليج لتجنب الدمار سوى الضغط على واشنطن للتخلي عن لغة التصعيد.
بعد إيقاف العدوان، لعبت إيران بذكاء شديد خلال فترات الهدنة المؤقتة، ونجحت في المناورة والصمود، ورفض الإملاءات وكل المسودات والمقترحات الأمريكية والغربية التي اشترطت تنازلات نووية مسبقة أو تفكيكاً كاملاً لمنظومتها قبل رفع العقوبات.
وفي الوقت نفسه، ركزت طهران خلال الهدنة على فرض السيادة الملاحية على مضيق هرمز، ومواجهة الحصار البحري الأمريكي الذي فشل في السيطرة على المضيق، وهو الأمر الذي أكد لدول المنطقة والمجتمع الدولي أن طهران تملك مفتاح أمن الطاقة العالمي، ويجب التعامل معها كشريك أمني رئيسي.
يُعد الاحتلال الإسرائيلي الخاسر الأكبر من هذه الاتفاقية، وهو ما يفسر موجة الغضب السائدة في الأوساط السياسية الإسرائيلية، وشعورهم بالعزلة بعد فشل خيار الحسم وانهيار الرهان على واشنطن لتدمير البرنامج النووي الإيراني.
وينسحب ذات الأمر على الجبهة مع حزب الله في لبنان، حيث تضمن الاتفاق نصاً صريحاً على الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على كافة الجبهات، بما في ذلك لبنان، وهذا يعني انسحاب الاحتلال من المناطق التي احتلها جنوب لبنان كجزء من الاتفاق دون أن يحقق الكيان أي حسم عسكري كامل ضد حزب الله.
فشل الخيار العسكري الأمريكي الإسرائيلي في تحقيق أهدافه في "إسقاط النظام، تفكيك الصواريخ، شحن اليورانيوم المخصب خارج البلاد، وإنهاء النفوذ الإيراني وجبهات محور المقاومة" يمنح طهران مكاسب جيو-سياسية واقتصادية غير مسبوقة.
صحيح أن النفوذ الأمريكي لم ينتهي، لكنه تحول من الهيمنة الهجومية وفرض الإملاءات إلى إدارة المصالح عبر الصفقات، وبمعنى أصح، بات النفوذ الأمريكي في المنطقة محكوما بحدود الكلفة والمنفعة، وليس بالهيمنة المطلقة.
تشهد المنطقة اليوم ولادة توازن ردع جديد، تكون فيه إيران لاعباً رئيسياً بشكل أكبر وبنفوذ إقليمي ودولي أوسع، وهي محصنة باتفاقات دولية ومدعومة برعاية وسطاء من دول إقليمية وقوى ودول كبرى.. والسلام تحية.
جميع الحقوق محفوظة لموقع © ذمار نت . تم تصميم الموقع بواسطة أوميغا سوفت